الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

110

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

شاء ويفرّق ما شاء منها في أيّها شاء ، ويزيد في الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء ، دلالة على قدرته على الأشياء وانهّ لا يعجزه شيء أراده جلّ وتعالى فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فإن منشأها ومرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء ، فهي تحتاج إلى طول العنق لتتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتقوت من ثمارها . تأمل خلقة القرد وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه - أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر - وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الإنسان ، وخصّ مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمي إليه ، ويحكي كثيرا مما يرى الإنسان يفعله ، حتى انهّ يقرب من خلق الإنسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للإنسان في نفسه ، فيعلم أنهّ من طينة البهائم وسنخها ، إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب ، وأنهّ لولا فضيلة فضله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم ، على أن في جسم القرد فضولا أخرى تفرّق بينه وبين الإنسان ، كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلّل للجسم كلهّ . وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يلحق بالإنسان لو أعطي مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه ، والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان بالحقيقة هو النقص في العقل والذهن والنطق . انظر يا مفضل ، إلى لطف اللّه جلّ اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامها هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف لتقيها من البرد وكثرة الآفات ، وألبست الأظلاف والحوافر والأخفاف لتقيها من الحفا ، إذ كانت لا أيدي لها ولا أكفّ ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج ، فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها ، فأما الإنسان فإنهّ ذو حيلة وكفّ مهيأة للعمل ، فهو ينسج ويغزل ويتّخذ لنفسه الكسوة ويستبدل بها حالا بعد حال ، وله في ذلك صلاح من جهات : من ذلك أنهّ يشتغل